الشيخ محمد إسحاق الفياض

217

المباحث الأصولية

وان شئت قلت ، ان التقارن والتعاقب بين هاتين الجملتين المتناقضتين بالعموم والخصوص المطلق المركوزتين في الذهن منشأ لهذه الدلالة التصورية الثالثة ، فيكون مدلولها التصوري مدلول تصديقي ابتدائي في المرحلة الثانية ، وتصديقي نهائي في المرحلة الثالثة ، باعتبار ان المدلول التصوري لكل من الجملتين مندك فيه . والنكتة في ذلك ، ان المولى إذا قال « أكرم كل العلماء لا تكرم الفساق منهم » وكان في مقام البيان ، فلا يمكن ان يكون هذا التقارن والتعاقب بين الجملتين المتناقضتين بالعموم والخصوص جزافا ولغوا ، فلا محالة يكون مبنيا على نكتة ، وهي ان هذا التقارن والتعاقب يدل على تقطيع الخاص من المعنى العام في تمام مراحل الدلالات الثلاث من مرحلة الدلالة التصورية إلى مرحلة الدلالة التصديقية بلحاظ الإرادة الجدية النهائية ، فاذن يكون المتبادر من التقارن بين هاتين الجملتين المذكورتين معنى واحد ، وهو المعنى المتقطع منه الخاص في تمام هذه المراحل اي من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق النهائي ، واما المتبادر من كل من الجملتين ، فهو مندك فيه تصوراً وتصديقاً . إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة ، وهي ان هذا التقارن والتعاقب بينهما عامل لتكوين الظهور الثالث في معنى ثالث من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق النهائي ، فاذن يكون ملاك التخصيص في هذه الصورة نفس ملاك التخصيص في الصورة الأولى والثانية ، فإنه إذا قال المولى « أكرم كل عالم لا تكرم الفاسق منهم » وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الخلاف ، كان كلامه هذا ظاهرا في أنه أراد وجوب اكرام العالم الذي لا يكون فاسقاً بإرادة جدية نهائية ، وهذا هو المعنى العام المتقطع منه مقدار الخاص ، وهذا الظهور